سيد محمد طنطاوي
254
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وإنما جر المصدر المؤول من قوله * ( ولِتَطْمَئِنَّ ) * باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله ، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل . فإن فاعل الجعل هو اللَّه - تعالى - ، وفاعل الاطمئنان القلوب ، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو * ( بُشْرى ) * لاستكمال شروطه . وجر المعطوف وهو * ( ولِتَطْمَئِنَّ ) * لاختلال شرط من شروطه . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) * . أي ليس النصر إلا من اللَّه وحده فهو العزيز الذي لا يغالب في أمره . الحكيم الذي يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته . فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على اللَّه في قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه ، وبيان أن النصر إنما هو من اللَّه وحده ، وليس من الملائكة أو من غيرهم ، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير ، إلا إذا أراد اللَّه ذلك . فهو الخالق للأسباب والمسببات . ولقد حرص القرآن في كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى في قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التي بين أيديهم ، ويغتروا بها ، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل ، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل ، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطا . والعاقل من الناس هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها اللَّه - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها ، يجب أن يستجيب له في كل ما أمر أو نهى ، وأن يعتمد عليه في كل شؤونه وأحواله . ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التي ترتبت عليه فقال - تعالى - : * ( لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ) * . وقوله * ( لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) * متعلق بقوله * ( ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّه بِبَدْرٍ وأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) * وما بينهما تحقيق لحقيته ، وبيان لكيفية وقوعه . والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشيء مدركا بالبصر كالأجسام ، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإهلاك والقتل . والطرف - بفتح الراء - جانب الشيء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس . والمراد به هنا طائفة من المشركين . والكبت في اللغة : صرع الشيء على وجهه . يقال : كبته فانكبت ، والمراد به هنا الإخزاء